أبي بكر بن علي بن محمد ( ابن حجة الحموي )
292
قهوة الإنشاء
فكانت مناهلها العذبة كثيرة الزحام ، وهو بقية المجتهدين وقد ثبت اجتهاده عند الإمام الأعظم الذي صرّحت التورية أنه شيخ الإسلام ، وقد تقدم أنه وارث علم « 1 » أحمد وما شك أحد في نسبة علي إليه وقربه ، فلو أدركه ابن تيمية ورأى انقياد علماء المذاهب إلي اجتهاده تيمم في حبه . وقد مشت الأئمّة الأعلام تحت علمي علمه ودينه « 2 » ، وما رفع لعلم راية إلا تلقّاها عرابة مجده بيمينه ، فهو القدوة الذي إن قيل : [ من الطويل ] لكلّ زمان واحد يقتدى به * فقد علم اللّه أنه ذلك الواحد ولما رأيت الناس دون محلّه * تيقنت أنّ الدهر للناس ناقد « 3 » ولما كان الجناب العالي القاضوي الكبيري الحاكمي العلائي ، أعز اللّه تعالى أحكامه ، هو الذخيرة المخبوءة لهذا الأمر ، والنحو الذي ما شك في إعراب فضله زيد النحاة ولا عمرو ، اقتضت آراؤها الشريفة لما علمنا أنه أعلم أهل زمانه أن نخصّه بالتقديم ، وتمسكنا في ذلك بقوله تعالى : وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ « 4 » . فلذلك رسم بالأمر الشريف العالي المولوي السلطاني الملكي المؤيدي السيفي ، لا زالت سهام آرائه الشريفة تصيب في تقديم كل مجتهد الغرض ، وترشدنا في ظلم الأشكال بضياء حسّها الشريف إلى الفرق بين الجوهر والعرض ، أن يلقّب المشار إليه في تقاليدنا الشريفة له بعد لبس تشريفه بعالم الإسلام ، ويوقّع له بذلك في السطور على الطروس لتبتهج به الليالي والأيام ، وتهتز أعواد المنابر بقراءته التي تغني « 5 » عن طرب الأعواد ، وينتظم به للمسلمين عقد ويعدّ لنا من المستجاد ، لأنه العالم الذي ما صابره باحث إلّا كلّ وقال له : أَ لَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ؟ « 6 » ، ولا ذاكره حافظ إلا قال له : لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً « 7 » ،
--> ( 1 ) علم : طب : علوم . ( 2 ) تحت علمي علمه ودينه : طب : في حبه ودينه . ( 3 ) ناقد : ها : فاقد . ( 4 ) سورة الحديد 57 / 29 . ( 5 ) تغني : ها : تعرب . ( 6 ) سورة الكهف 18 / 75 . ( 7 ) سورة الكهف 18 / 73 .